البحث search     
tareq.alkarmy@yahoo.com      

القائمة الرئيسية

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

عداد الزوار

تم استعراض
58465
صفحة للعرض منذ March 2009
 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 6 ضيف/ضيوف
 
العُزلةُ لا المُعتزلُ
طارق الكرمي

لنْ أقولَ هنا أنَّ العزلةَ وأعني: (عزلةُ الشاعر أو الكاتبِ) هي محضُ عزلةٍ أو أنّها اختياريّةٌ . لكنّها الزاويةُ الأصفى والأكثرُ صدىً في هذا العالم . أنا أعتبرُها هي البرزخ الأول. الصيغةُ هنا تكمنُ بأنها تأخذُ الجانبينِ الإختياري  وغير الاختياري.ولا أعرف الآن بالضّبط بأني أتكلّمُ بتجريدٍ أو بفلسفةٍ وقد أتكلّمَ بغيرِ فلسفةٍ وأن أبتعد عن التجريدِ في مثل هكذا أمورٍ. إذاً هي العزلةُ إختياريةٌ ومحضُ عزلةٍ وغصبيّةٌ في آنٍ معاً..

و لدى الكاتبِ تأتي في الجانبِ المُتعالي في بعضِ الأحيايينِ. ولكنّها ليست المطلوبةُ لأنَّ التعالي هو الإقلاعُ من دوائرَ كثيرةٍ ويحصلُ فيهِ انسلاخٌ عن واقعٍ ووعيٍ مهمٍّ. و من وجهةِ نظري أنَّ العزلةَ هي ليست اعتزالَ الواقعِ لخلق واقعٍ مضادٍ وإنمّا لتأسيسِ وعيٍّ إنسانيٍّ أرقى ..و أنا أختارُ العزلةَ التي لا تعزلني عن ما يدورُ..أختارُ العزلةَ التي تكونُ مِلحاحةً وبسيطةً وأكثرَ بلوريّةً لتأخذني إلى غيرِ عُزلةٍ ولتستدركني إلى دواخلَ نائيةً ما كنتُ أبصرُها أو أظفرُ بها من قبلُ.
ولا أعتقدُ أنَّ العزلةَ هي دائماً من يمنحُ الكاتب أن يكتبَ شيئاً مُنْزلاً أو سيوحى لهُ من جنِّ الرّياحِ بآياتٍ أخرى. أنا أكتبُ نصّي في الضّجيج..وفي الضّجيجِ أختلقُ عزلةً ما..لا أعودُ أسمعُ أو أصغي إلى الضّجيج الذي يتباعدُ تدريجاً (يتباعدُ ولكن لا ينمحي). وكأنني أقطعُ من لحمِ الضّجيجِ غرفةً لي وحدي في الأعالي ولكن من غير أنْ أنقطِعَ كُليّةً عن هذا الضّجيجِ الذي يكونُ الدّافعَ أن يندلقَ على الورقِ بشكلِ قصيدةٍ أو نصٍّ مفتوحٍ..وَلأذكُرُ الآنَ أنَّ الإنسانَ العادّيَّ البسيطَ الذي لا يحظى بملكةِ الكتابةِ أيضاً لهُ عزلتهُ التي ربمّا تكونُ الأعمقَ..
إذاً العزلةُ قد تأتي في أيِّ زمنيّةٍ ومكانٍ..ولا تأتي خارجَ دائرةِ المكانِ والزّمانِ. ولكنْ أدخلُ عزلتي من غير ما أدخلُ مُعتزلي. أنا لا أعتزلُ الأشياءَ وكما أسلفتُ أن أنعزلِ غير أن أعتزلَ دقيقَ الأمورِ..
الأصواتُ تُصفّى في العزلةِ..قد أبصرُ اللّونَ بحرارتهِ. أصغي إلى نبضِ الأوراقِ مُجتلىً. العزلةُ مثلَ أن أطبقَ جفنيَّ و أستأتي الأشياءَ صفيّةً مُصفّاةً..قد أنامُ جِدِّياً مع المرأةِ الشّبحِ..أدخلُ دُوارَ نبيذٍ ليسَ في أيّةِ زجاجةٍ لديَّ..العزلةُ تصطفيكَ وحدَكَ في دائرةِ الجميعِ
أنا (وأعوذُ بنفسي من كلمةِ أنا) أعتبرُ نفسي مِنْ قافلةِ الطّهريينَ. الشعراءُ هُمْ الطّهريّونَ على الإطلاقِ..مِثلما فعلَ الأنبياءُ أنهمُ دخلوا غارَهُمْ أو مكامِنَ جلوتِهِمْ ..أعتبرُ الشّعراءَ أيضاً يدخلونَ مكامِنَهمْ المصطفاةَ. ومثلَ الإيمانِ واليقينيّةِ. الايمانُ يأتي أولاً ثمَّ تأتي اليقينيّةُ.. فالعزلةُ هي أولاً ومن بعدِها الخُلوةُ البِلّورِيّةُ. ففي سُدّةِ العزلةِ أنتَ تتركُ للأشياءِ أو تتركُ لنفسِكَ أن تبصرَ ما لا كنتَ تبصرُهُ وأن تلمُسَ ما لا كانَ يُلامِسْكَ وهكذا..إذاً أن أترُكُ لنفسي أن تختلي بيَ الأشياءُ في منتهى العزلهْ

*مساءًطور كرم
السّهل السّاحلي الفلسطيني
 

عوده

 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة  أرسل هذا المقال لصديق أرسل هذا المقال لصديق


جميع الحقوق محفوظة لموقع الشاعر طارق الكرمي2009
استضافة وتركيب : شركة فلسطين عربية